الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
458
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وإلى مزاعمهم المضحكة الباطلة ، فتقول : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله كأن الوصول إلى مقام النبوة وهداية الناس يعتمد على سن الشخص وماله ، أو هو ميدان للمنافسة الصبيانية بين القبائل ! وكأن على الله أن يراعي هذه الأمور المضحكة الباطلة التي لا تدل إلا على منتهى الإنحطاط الفكري وعدم إدراك معنى النبوة وقيادة الخليقة ! إن القرآن يرد على هؤلاء بوضوح قائلا : الله أعلم حيث يجعل رسالته . بديهي أن الرسالة لا علاقة لها بالسن ولا بالمال ولا بمراكز القبائل ، لأن شرطها الأول هو الاستعداد الروحي ، وطهارة الضمير ، والسجايا الإنسانية الأصيلة ، والفكر السامي ، والرأي السديد ثم التقوى إلى درجة العصمة . . . إن هذه الصفات ، وخصوصا الاستعداد لمقام العصمة لا يعلم بها غير الله ، فما أبعد الفرق بين هذه الشروط وما كان يدور بخلد أولئك . كما إن من يخلف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لابد أن تكون له جميع تلك الصفات عدا الوحي والتشريع ، أي أنه حامي الشرع والشريعة ، والحارس على قوانين الإسلام ، والقائد المادي والمعنوي للناس ، لذلك لابد له أن يكون معصوما عن الخطأ والإثم ، لكي يكون قادرا على أن يوصل الرسالة إلى أهدافها ، وأن يكون قائدا مطاعا وقدوة يعتمد عليها . وبناءا على ذلك ، يكون اختياره من الله أيضا ، فهو وحده الذي يعلم أين يضع هذا المقام ، فلا يمكن أن يترك ذلك للناس ولا للانتخابات والشورى . وفي النهاية تشير الآية إلى المصير الذي ينتظر أمثال هؤلاء المجرمين والزعماء الذين يدعون الباطل ، فتقول : سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ( 1 ) .
--> 1 - " الإجرام " من " جرم " وأصله القطع ، والمجرم هو الذي يقطع العهود وارتباطة بالله بعدم إطاعته ، ولذلك أطلقت كلمة " الجرم " على الإثم والذنب ، في هذا إشارة لطيفة إلى أن هناك في ذات الإنسان اتفاق مع الحق والطهارة والعدالة ، والإجرام هو قطع هذه الاتفاق الفطري الإلهي .